هشام جعيط
26
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
جرير بمشروع عمر : كان الأول في حاجة إلى فكرة وهدف جديد وطموح ، وكان الثاني محتاجا إلى مهاجرين ومحاربين مسلمين أوفياء ليدفع بهم إلى العراق . على أن جريرا لم يرض بمقترح عمر إلا مترددا ، لأن قومه كما العرب كافة ، باستثناء بكر دون شك ، كانوا يفضلون الشام على العراق . وتم الاتفاق ، بعد بذل الوعد لبجيلة أن تمنح هبات خاصة عند الانتصار وتقرر أن تأخذ ربع الخمس من الغنيمة كما جاء في أغلب المصادر « 1 » ، أو « الثلث بعد ( أخذ ؟ ) الخمس » ، كما أشار إلى ذلك البلاذري إشارة غامضة « 2 » أو ربع البلدان المفتوحة كما كان محتملا كثيرا « 3 » . ويبقى الشك يسيطر على هذه المساومة ، نظرا لأن المرحلة التي بلغها الفتح في العراق لم تكن تؤهل للوعد بأي شيء . ومما له دلالة أن جريرا تخلى عن كل مطلب على السواد ، بعد الانتصار ، لأسباب معنوية صرف « 4 » . هذا وقد تحولت قبيلة بأكملها كانت تعد 2000 رجل ، إلى العراق بهدف الهجرة نهائيا ، مفتتحة بذلك الحركة الكبرى للهجرة اللاحقة . وإلى جانب بجيلة ، أشير إلى تدفق الحشود من الأزد « 5 » ، وكنانة ، وضبة ، وخثعم والرباب ، وبني سعد ، وبني عمرو « 6 » ، وعبد القيس ، كما حضرت قبيلة النمر من ربيعة وقد كانت إلى جانب الفرس إلى ذلك الوقت ، تدور بدرجة متفاوتة في فلك الساسانيين ، وبعد أن سلط عليها خالد قمعا شديدا . لعل عناصر عبد القيس والنمر « 7 » ، وحتى تغلب وقد شهدت البويب أدمجت من طرف المثنى فيما يمكن تسميته بجيشه الخاص أو القبلي ، طالما كان
--> - و 369 . لكن سيف كان صريحا في أن جريرا لم يدخل العراق قبل معركة الجسر . أما عن تسميته بالحميري ، فإما انها تعود إلى أن مجمّع بجيلة كان غريب النسب عنها سواء كان أزديا أم حميريا ، واما انها اختلطت بمسألة عرفجة بن هرثمة منافس جرير . كان عرفجة أزديا من بارق ، ويبدو أنه قاد جانبا من بجيلة على أدنى تقدير وكان عمر يفضله على غيره ، لكن بجيلة تخلوا عنه والتفوا حول جرير : الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 462 وص 471 . ( 1 ) مثلا : الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 462 . ( 2 ) فتوح البلدان ، ص 254 ، نقلا عن الشعبي . ( 3 ) المرجع نفسه ، ص 253 عن أبي مخنف ، وص 267 عن ابن أبي حازم حيث قال أيضا أن بجيلة « كانت ربع الناس يوم القادسية » . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 267 ، وذكر خبرا آخر بالصفحة نفسها قال فيه « كان عمر أعطى بجيلة ربع السواد فأخذوه ثلاث سنين » وفي نهايتها طلب عمر منهم إرجاع الأموال ، والتساوي مع بقية المسلمين . ويوجد الخبر ذاته تقريبا في كتاب الخراج لأبي يوسف ، ص 32 . ( 5 ) مثلا الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 463 ، كانت الأغلبية لبارق بقيادة عرفجة لا مخنف بن سليم كما يقول الدينوري في الأخبار الطوال ، ص 114 . ( 6 ) الطبري ، التاريخ ، ج 3 ، ص 464 . ( 7 ) الطبري ، الموضع نفسه ، وقد مثلها أنس بن هلال النمري ، وكان شخصا مرموقا .